ابن أبي الحديد
153
شرح نهج البلاغة
فركب المهلب برذونا وردا ( 1 ) ، وأقبل يركض بين الصفين ، وإن إحدى يديه لفي القباء ، وما يشعر لها ، وهو يصيح : أنا المهلب ! فسكن الناس بعد أن كانوا قد ارتاعوا وظنوا أن أميرهم قد قتل ، وكل الناس مع العصر ، فصاح المهلب بابنه المغيرة : تقدم ، ففعل وصاح بذكوان مولاه : قدم رأيتك ، ففعل ، فقال له رجل من ولده : إنك تغرر بنفسك ، فزبره وزجره ، وصاح : يا بنى سلمة ، آمركم فتعصونني ! فتقدم وتقدم الناس فاجتلدوا أشد جلاد ، حتى إذا كان مع المساء قتل ابن الماحوز ، وانصرف الخوارج ولم يشعر المهلب بقتله ، فقال لأصحابه : ابغوا لي رجلا جلدا يطوف في القتلى ، فأشاروا عليه برجل من جرم ، وقالوا : إنا لم نر قط رجلا أشد منه ، فجعل يطوف ومعه النيران ، فجعل إذا مر بجريح من الخوارج ، قال : كافر ورب الكعبة ! فأجهز عليه ، وإذا مر بجريح من المسلمين أمر بسقيه وحمله ، وأقام المهلب يأمرهم بالاحتراس ، حتى إذا كان في نصف الليل ، وجه رجلا من اليحمد ( 2 ) في عشرة ، فصاروا إلى عسكر الخوارج ، فإذا هم قد تحملوا إلى أرجان ، فرجع إلى المهلب فأعلمه ، فقال لهم : أنا الساعة أشد خوفا ، احذروا البيات . ويروى عن شعبة بن الحجاج أن المهلب قال لأصحابه يوما : إن هؤلاء الخوارج قد يئسوا من ناحيتكم إلا من جهة البيات ، فإن يكن ذلك فاجعلوا شعاركم : ( حم لا ينصرون ) فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر بها . ويروى أنه كان شعار أصحاب علي بن أبي طالب عليه السلام . فلما أصبح القوم غدوا على القتلى ، فأصابوا ابن الماحوز قتيلا ، ففي ذلك يقول رجل من الخوارج :
--> ( 1 ) الكامل : ( برذونا قصيرا أشهب ) . ( 2 ) اليحمد : بطن من الأزد .